تشهد المملكة وعدد من دول الخليج هذه الأيام موجة من درجات الحرارة المرتفعة، ومعها يعود الحديث عن دور الأشجار في تحسين البيئة داخل المدن والتخفيف من آثار الحرارة في الأماكن المفتوحة. ورغم أن التشجير لا يغيّر المناخ أو ينهي موجات الحر، فإنه يعد أحد الحلول الطبيعية التي تساعد على تلطيف الأجواء في محيطها، من خلال توفير الظل، وتقليل تعرض الطرق والمباني المباشر لأشعة الشمس، وخفض تأثير ما يعرف بـ"الجزر الحرارية الحضرية"، وهي الظاهرة التي تجعل المدن أكثر حرارة من المناطق المحيطة بسبب كثافة المباني والأسطح الإسفلتية.
ومن هذا المنطلق، تبنت المملكة خلال السنوات الأخيرة برامج واسعة للتشجير وزيادة الغطاء النباتي. ففي عام 2021 أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مبادرة السعودية الخضراء، التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، وإعادة تأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، ضمن جهود تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية، وتحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة البيئة الحضرية.
وحققت المبادرة تقدمًا ملحوظًا منذ إطلاقها، إذ تجاوز عدد الأشجار المزروعة 159 مليون شجرة، كما جرى إعادة تأهيل نحو مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، عبر برامج يقودها المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وبمشاركة عدد من الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمتطوعين.
وتؤكد وزارة البيئة والمياه والزراعة أن الأشجار تقدم فوائد تتجاوز المظهر الجمالي للمدن، فهي تسهم في توفير الظل، وتحسين جودة الهواء، والحد من الغبار، وامتصاص جزء من غاز ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى توفير بيئات مناسبة للطيور والكائنات الفطرية، ودعم التنوع الحيوي. كما تساعد على جعل الحدائق والممرات والأحياء السكنية أكثر راحة خلال أشهر الصيف، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة عمرانية مرتفعة.
ولا تقتصر برامج التشجير على الشوارع والحدائق، بل تمتد إلى المتنزهات الوطنية والأودية والمراعي، إضافة إلى التوسع في زراعة أشجار المانجروف على السواحل، مع التركيز على الأنواع النباتية المحلية الأكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية في المملكة، والأقل استهلاكًا للمياه.
وتعد زيادة الغطاء النباتي أحد العناصر التي تعتمد عليها مدن العالم لتحسين بيئتها الحضرية، إلى جانب تطوير الحدائق، وتوسيع المساحات العامة، وتحسين تصميم الأحياء. وفي المملكة، يأتي الوصول إلى أكثر من 159 مليون شجرة بوصفه خطوة ضمن مشروع طويل الأمد يستهدف بناء مدن أكثر جودة واستدامة، مع الاستمرار في تنفيذ مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء خلال السنوات المقبلة.


